الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
460
مختصر الامثل
إنّ عبارة « يَسْتَفْتُونَكَ » مشتقة من المصدر « فتوى » أو « فتيا » ومعناها الإجابة على كل سؤال معضل . وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ( 128 ) سبب النّزول في تفسير مجمع البيان : كانت بنت محمد بن سلمة ، عند رافع بن خديج ، وكانت قد دخلت في السن وكانت عنده امرأة شابة سواها فطلّقها تطليقة حتى إذا بقي من أجلها يسير . قال : إن شئتِ راجعتكِ وصبرتِ على الأثَرة « 1 » وإن شئتِ تركتكِ ! قالت : بل راجعني وأصبر على الأثرة . فراجعها ، فذلك الصلح الذي بلغنا أنّ اللَّه تعالى أنزل فيه هذه الآية . التّفسير الصلح خير : وقد بيّنت الآيات السابقة حكم نشوز المرأة ، وفي هذه الآية إشارة لنشوز الرجل فالآية تتحدث عن المرأة إذا أحست من زوجها التكبر والإعراض عنها ، وتبيّن أن لا مانع من أن تتنازل عن بعض حقوقها ، وتتصالح مع زوجها ، من أجل حماية العلاقة الزوجية من التصدع ، فتقول : « وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا » . بعد ذلك تؤكّد الآية على أنّ الصلح خير وأحسن ، حيث تقول : « وَالصُّلْحُ خَيْرٌ » . وهذه الجملة الصغيرة مع أنّها جاءت في مجال الخلافات العائلية ، لكنها تبين قانوناً كلياً ، وتؤكّد أنّ الصلح هو المبدأ الأوّل في كل المجالات ، وأنّ الخلاف والنزاع والصراع والفراق ليس له وجود في الطبع والفطرة الإنسانية السليمة ، ولذلك فلا تسوّغ هذه الفطرة التوسل بالنزاع وما يجري مجراه إلّافي الحالات الاستثنائية الطارئة . وتشير الآية بعد ذلك مباشرة إلى أنّ الإنسان بسبب غريزة حبّ الذات التي يمتلكها تحيط به أمواج البخل ، بحيث إنّ كل إنسان يسعى إلى نيل حقوقه دون التنازل عن أقل شيء منها ، وهذا هو سبب ومنبع النزاع والصراع ، تقول الآية : « وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ » .
--> ( 1 ) الأثرة : الاختيار : أي اختياري للمرأة الشابة وتقديمي إيّاها عليك .